محمد جمال الدين القاسمي
23
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
انتفاعه به . فيختار لإناث هذه الحيوانات أفحلا كريمة ، هي على ما يرومه من الصفات ، ليحصل منها على نسل أنفع له من أمهاته . وقد زادت رغبة الناس بهذا العصر في إصلاح النوع النافع من الحيوان . فضرّبوه ورقوه باختيار الأفحل المناسبة ، حتى حصلوا على صنف من الخيل الجياد تسابق الرياح فتجري ( 16 ) مترا في الثانية من الزمن . وعلى صنف من البقر تحلب في اليوم الواحد خمسين أقة . وعلى صنف من المعزى والغنم شعره أو صوفه مثل الحرير نعومة . ولم يقصر إصلاحهم على الحيوان ، بل تجاوز إلى النبات . فحصلوا بفضله على أشجار كثيرة الثمر لذيذته . وانتفعوا انتفاعا كبيرا ، ما تيسر لأسلافهم . نعم إن البشر افتكروا في إصلاح الحيوان الصامت والنبات ، وعلموا ما فيه من الفوائد ، فسعوا إليه السعي الذي يرضاه العلم ، وجنوا ثمار ذلك السعي . ولكنهم ما افتكروا في إصلاح ما هو أهمّ من كل ذلك : في إصلاح الحيوان الذكيّ ، والشرير أكثر من الصالح ، والجبان أكثر من الشجاع ، والكاذب أكثر من الصادق ، والكسلان أكثر من أخي الجد النشيط . ولو أنهم أصلحوا نسلهم لما وجد في الناس من يولد مريضا ويعيش مريضا . فلا ينتفع بوجوده المجتمع ، وهو كثير . قام من بين هذا الجيل فيلسوفان : ألمانيّ وانكليزيّ . وأخذا يعلمان بكتاباتهما المبنيّة على البراهين وجوب إصلاح الإنسان لنسل الإنسان . ويعددان فوائد الإصلاح لنوعه . ويبيّنان للملأ أن الرقي المطلوب لا يتم إلا به . وطفقا يلومان الناس على اعتنائهم بإصلاح المواشي وإهمالهم إصلاح أنفسهم . الأمر الذي هو أهم من ذلك كثيرا . وذكرا لذلك طرقا : ( منها ) منع أصحاب العاهات والأمراض المزمنة وأولي الجرائم الكبيرة من الزواج لينقطع نسلهم الذي يجيء غالبا على شاكلتهم . ( ومنها ) إباحة تعدد الزوجات للنابغين من الرجال ليكثر نسلهم . وقالا : إذا جرى المجتمع على هذا الانتخاب الصناعي قرونا عديدة كان نسل الإنسان الأخير ، بحكم ناموس الوراثة ، سالما من الأمراض . حسن الطوية . ليس فيه ميل إلى الشر . قويّا . ذكي الفؤاد . نابغا في العلوم . التي يتعلمها . كأنه نوع أرقى من الإنسان الحاضر . وكانت أهم طريقة أبدياها للارتقاء المنتظر للبشر في المستقبل ، هي طريقة تعدد الزوجات في الحاضر للنابغين من الناس . فإن منع أصحاب الأمراض المزمنة والجناة من الزواج إنما يفيد في تقوية النسل وجعله ميالا بالفطرة إلى الخير ليس إلا ، لا في جعله أذكى من آبائه وأسمى مدارك . وتعدد الزوجات للنابغين من المسلمين ، قد جاء به الإسلام قبل هذين الفيلسوفين بأكثر من ألف وثلاثمائة سنة . فقد أباح لهم تعددهن إلى